احمد البيلي

88

الاختلاف بين القراءات

الصفات . وأذكر فيما يلي نماذج من أقوال الذين خطئوا والذين كرهوا ، والذين قالوا : هذه أولى من غيرها . فهذا ابن جرير الطبري ( 224 - 310 ه ) وهو ممن وصفوا بالاجتهاد في الفقه ، وله باع طويل في القراءات والتفسير ، أعطى نفسه حرية واسعة في نقد القراءات . وفي كتابه « جامع البيان في تفسير القرآن » نماذج من تخطئته بعض القراءات ، ووصف بعضها بأنه أولى بالصواب من بعض . فمن ذلك تخطئته قراءة قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً ( البقرة / 282 ) بنصب « تجارة » وهي قراءة « عاصم » « 28 » وقد اعترض عليها الطبري فقال : « لا أستجيز القراءة بغير الرفع ووصف قراءة النصب بالشذوذ « 29 » ، مع أن للنصب توجيها إعرابيا سليما ، فإن الضمير المستتر في « تكون » يعود على المعاملة التجارية المفهومة من المقام ، وهو اسم « تكون » وخبرها « تجارة » و « حاضرة » نعت لتجارة . وعندما تعرض لقوله تعالى : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ( البقرة / 9 ) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو . وفيها قراءة أخرى متواترة ، وهي : « وما يخدعون » بفتح الياء وسكون الخاء . قال الطبري : هذه أولى بالصحة من قراءة « وما يخادعون » وساق برهانا على دعواه قوله : « إن اللّه جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يخادعون اللّه والمؤمنين في أول الآية ، فمحال أن ينفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه ، لأن ذلك تضاد في المعنى . وذلك غير جائز من اللّه جل وعز » « 30 » . أقول : لا تضاد في المعنى ، فاللّه تعالى أخبرنا في أول الآية ، بأن هؤلاء المنافقين « يخادعون اللّه والذين آمنوا » في الدنيا بحسب ما يتوهمون ، لأنهم يتخيلون أن اللّه لا يعلم ما يبطنون ، وأخبرنا في آخر الآية بقوله « وما يخادعون إلا أنفسهم » في حقيقة الأمر ، لأنه تعالى لا تخفى عليه خافية .

--> ( 28 ) إتحاف فضلاء البشر ص 166 النشر 2 / 446 . ( 29 ) جامع البيان 6 / 80 . ( 30 ) جامع البيان 1 / 277 .